الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
الباحث البيئي : خالد أبو علي
ما إن يطرق الخَريــفْ أبواب فلسطين، حتى تتبدّل ملامح الأرض بهدوءٍ يشبه الحنين؛ تنكسر حدّة الصيف، وتميل حرارة الشمس إلى الاعتدال، وتبدأ الأشجار في ارتداء ألوانها الخريفية، من الأصفر والبرتقالي إلى الأحمر والبني، قبل أن تتساقط أوراقها ورقةً إثر ورقة، وكأن الطبيعة تطوي صفحةً من صفحات العام استعدادًا لشتاءٍ جديد.
موسم الخَريــفْ فصلٍ جميل بين حرّ الصيف وبرد الشتاء، وهو موسم التحوّل البيئي والزراعي؛ ففيه تستعيد الأرض شيئًا من رطوبتها، وتبدأ الغيوم بالتكاثف في السماء، ويترقب الفلاح أولى بشائر المطر، فيما تستعد الحقول والكروم والبساتين لموسم زراعي جديد.
وفي الذاكرة الشعبية الفلسطينية، يعتبر الخَريــفْ تاريخ على التقويم، وكان ايضا علاماتٍ تُقرأ في السماء، وعلى الأشجار، وفي اتجاه الرياح، وفي رائحة التراب. ولذلك حفظ لنا الأجداد عشرات الأمثال التي اختصرت خبرة أجيال طويلة في مراقبة الطبيعة ومواسمها.
الخَريــفْ... محطة في رحلة الأرض حول الشمس
تمر الأرض خلال دورتها حول الشمس، التي تستغرق نحو 365 يومًا و6 ساعات، بأربع محطات فلكية رئيسية: الاعتدال الربيعي، والانقلاب الصيفي، والاعتدال الخريفي، والانقلاب الشتوي.
وقد حدث الاعتدال الخريفي في النصف الشمالي من الكرة الأرضية يوم 23 أيلول/سبتمبر 2026، معلنًا بداية فصل الخريف فلكيًا، الذي يستمر حتى الانقلاب الشتوي في 22 كانون الأول/ديسمبر 2026.
وفي يوم الاعتدال الخريفي تتعامد أشعة الشمس تقريبًا على خط الاستواء، ويتقارب طول الليل والنهار في معظم أنحاء الكرة الأرضية. ومنذ هذه اللحظة يبدأ النصف الشمالي في استقبال أيام أقصر وليالٍ أطول، بينما يحدث العكس في النصف الجنوبي.
أما عند القطب الشمالي، فتبدأ مرحلة الليل القطبي الطويل، في حين يدخل القطب الجنوبي في فترة النهار الطويل، في مشهد كوني يذكّرنا بأن الأرض لا تتوقف عن دورانها، وأن تعاقب الفصول ليس إلا جزءًا من إيقاع كوني عظيم تنتظم فيه حياة الإنسان والنبات والحيوان والماء.
ويستمر فصل الخَريــفْ فلكيًا نحو 89 يومًا و20 ساعة و23 دقيقة حتى حدوث الانقلاب الشتوي.
ولعل تسمية الخَريــفْ عند العرب ترتبط بالثمار؛ إذ يقال إن الثمار "تُخترف"، أي تُجنى في هذا الموسم. وهو أيضًا موسم ترتبط بداياته عادةً بالموسم المطري، الذي تتصاعد أمطاره تدريجيًا وصولًا إلى ذروتها في الشتاء.
الأمثال الفلسطينية... تقويمٌ شعبي للسماء والأرض
قبل أن تصل النشرات الجوية الحديثة إلى القرى والبيوت، كان الفلاح الفلسطيني يقرأ الطقس من حركة الرياح، وشكل الغيوم، وأوراق الأشجار، وموعد المطر، وبرودة الليل. ومن هذه المراقبة اليومية للطبيعة ولدت أمثالٌ شعبية بقيت حية في الذاكرة حتى اليوم.
ومن أجمل ما قيل عن الخَريــفْ:
" السموم في أول الوسوم وأول الوسوم لا تحوم"
يرتبط هذا المثل بما يعرف بـ الوسم البدري والوسم الوخري خلال شهري تشرين الأول والثاني، حيث تتبدل أحوال الطقس، وتتداخل الرياح والحرارة والأمطار. وكان الفلاح يترقب "الوسم" باعتباره علامة على بداية الموسم الزراعي، فيقال: الدنيا أوسمت، أي أمطرت، في إشارة إلى المطر المبكر الذي يبشر باقتراب موسم الشتاء والزراعة.
"إن تخن الخَريــفْ أبشر بالرغيف"
مثلٌ يربط بين مظهر الطبيعة ومحصول الأرض؛ فإذا كانت أوراق الأشجار في الخَريــفْ كثيفة وسميكة، تفاءل الناس بموسم قمح جيد. وهو انعكاس لطريقة الفلاح في قراءة العلامات الطبيعية وربطها بمواسم الزراعة والحصاد.
" الخَريــفْ اللَيَّن من بشايره ببيَّن"
فالخَريــفْ اللين، المعتدل، الذي تأتي فيه بدايات الغيم والمطر بهدوء، يحمل في نظر أهل الريف بشائر الموسم المقبل. ولعل الغيوم التي بدأت تظهر في سمائنا هذه الأيام هي واحدة من تلك البشائر التي كان الأجداد يترقبونها بعين الفلاح وقلب العاشق للأرض.
"إن صلَّبت خرَّفت"
مثل شعبي يربط عيد الصليب ببداية الخَريــفْ ، في إشارة إلى التحول من أيام الصيف إلى موسم الخَريــفْ ، وما يحمله معه من تغير في الحرارة والرياح والاستعداد للموسم الزراعي.
"إن صلَّبت خرَّبت"
ويرتبط هذا المثل بعيد الصليب الذي يحتفل به في 14 أيلول/سبتمبر، حيث ارتبط في الذاكرة الريفية الفلسطينية بتقلبات الطقس واحتمال هطول الأمطار وبداية التحضيرات للموسم الزراعي.
وكان بعض أهل الريف يطلقون على هذه الفترة اسم "أبو الشراقي" لكثرة هبوب الرياح الشرقية، التي كانت تشكل علامة من علامات التحول في الطقس.
" هوا الخَريــفْ بِخلّي القوي ضعيف"
فرياح الخَريــفْ ليست دائمًا هادئة، وتقلبات الطقس المفاجئة بين دفء النهار وبرودة الليل كانت تُربك الأجساد وتزيد احتمالات الإصابة بالبرد والنزلات الصدرية، ولذلك ظل المثل تحذيرًا شعبيًا من غدر هذا الفصل وتقلباته.
أما المثل الذي يلخص خبرة الأجداد في التعامل مع برودة الفصول فيقول: " برد الخَريــفْ توقّاه، وبرد الربيع تلقّاه"
وهو تعبير عن اختلاف طبيعة البرد بين الخَريــفْ والربيع؛ فبرد الخَريــفْ يأتي بعد حرارة الصيف، بينما يأتي برد الربيع في طريقه إلى الدفء، ولذلك كان أهل الريف أكثر حذرًا من برد الخَريــفْ ، ولا سيما في ساعات الليل.
الخَريــفْ... ذاكرةٌ تمشي بين الأشجار
يعتبر الخَريــفْ الفلسطيني ذاكرة بيئية وجغرافية واجتماعية، تختزنها الحقول والكروم والجبال والوديان، وتتناقلها الألسن من جيل إلى جيل.
في هذا الفصل تتغير رائحة الأرض، وتبدأ الحقول في انتظار المطر، وتستعد أشجار الزيتون لموسم القطاف هذا العام رغم الجراح والحرق والإقتلاع، وتراقب العيون حركة الغيوم من فوق جبال نابلس والقدس والخليل وجنين، ومن سهول مرج ابن عامر إلى سفوح رام الله وبيسان وغور الأردن.
إنها فلسطين حين تدخل خَريــفْها ؛ أرضٌ تنفض عنها غبار الصيف، وتفتح ذراعيها لأول قطرة مطر.
ولذلك ربما كان أجدادنا أكثر قربًا من الطبيعة منا؛ كانوا لا يملكون أجهزة لقياس الطقس، لكنهم امتلكوا ذاكرة الأرض، وقرأوا السماء، وتابعوا الريح، وتأملوا الشجر، وحولوا كل ذلك إلى أمثالٍ بقيت معنا حتى اليوم.
وفي كل مرة تتلبد فيها سماء أيلول، وتلامس أولى القطرات وجه التراب، نتذكر قولهم: " الخَريــفْ اللَيَّن من بشايره ببيَّن."
فربما كانت قطرة الماء التي هطلت في ايلول ...ِ رسالة صغيرة من السماء تقول للأرض: استعدّي، فقد اقترب الشتاء.

No comments:
Post a Comment