الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
تتصاعد المخاوف الفلسطينية من التداعيات المترتبة على القرارات الإسرائيلية الأخيرة الخاصة بإنشاء سلطة آثار تابعة للاحتلال في الضفة الغربية، في خطوة يرى مختصون أنها تتجاوز إدارة المواقع الأثرية إلى محاولة إعادة صياغة الرواية التاريخية للأرض الفلسطينية، بما يخدم المشروع الاستيطاني ويحد من قدرة الباحثين الفلسطينيين على حماية تراثهم الثقافي.
وتؤكد الأوساط الأكاديمية والأثرية أن فلسطين تضم إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين، تعاقبت عليه حضارات متعددة تركت بصماتها في مختلف أنحاء البلاد، وفي مقدمتها الحضارة الكنعانية التي أسست عدداً من أقدم المدن المأهولة في العالم، مثل القدس وأريحا، وهو ما يجعل المواقع الأثرية الفلسطينية شاهداً على تاريخ متنوع سبق الفترات التاريخية التي يركز عليها الاحتلال في روايته.
وفي ظل هذه التطورات، يلجأ عدد من علماء الآثار الفلسطينيين إلى تنفيذ أعمال التنقيب في المواقع المكتشفة حديثاً بسرية، خشية مصادرة المكتشفات أو إخضاعها لتفسيرات تخدم الرواية الإسرائيلية، الأمر الذي يهدد سلامة البحث العلمي واستقلاليته.
ويشير مختصون إلى أن سلطات الاحتلال توظف بعض الاكتشافات الأثرية لإبراز حقب تاريخية محددة، بينما يتم تجاهل أو تهميش فترات أخرى توثق الوجود التاريخي المتواصل للحضارات التي سكنت فلسطين، وفي مقدمتها الحضارة الكنعانية.
وتفيد تقديرات رسمية بوجود نحو سبعة آلاف موقع أثري في الضفة الغربية، يسيطر الاحتلال على أكثر من نصفها، مستفيداً من وقوع معظمها في المناطق المصنفة (ج) أو بمحاذاتها، ما يتيح تحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة أو مواقع سياحية مرتبطة بالمستوطنات.
وفي بلدة سبسطية شمال غرب نابلس، تتواصل الانتهاكات بحق الموقع الأثري، حيث صادرت سلطات الاحتلال مؤخراً نحو ألفي دونم من أراضي البلدة وأراضي برقة المجاورة، بالتزامن مع محاولات لإعادة تقديم بعض المعالم الرومانية، مثل مبنى "البازيليكا"، باعتبارها مواقع دينية يهودية، رغم ما تؤكده الدراسات الأثرية بشأن طبيعتها التاريخية.
كما تواجه برك سليمان جنوب بيت لحم تحديات متزايدة نتيجة التوسع الاستيطاني في محيطها، إذ يحذر مختصون من أن المشاريع الاستيطانية المقامة على المرتفعات المجاورة أثرت في مسارات المياه الطبيعية التي تغذي البرك، الأمر الذي يهدد استقرارها الهندسي ويعرضها لمزيد من التدهور.
ويرى خبراء أن إنشاء سلطة آثار إسرائيلية في الضفة الغربية يمنح الاحتلال قدرة أكبر على إدارة المواقع الأثرية وفرض تفسير أحادي لتاريخها، بما ينعكس على الرواية التاريخية المقدمة للزوار والباحثين، ويهمش الهوية الفلسطينية للمكان.
وتعد البركة السفلى في برك سليمان أكبر خزانات الموقع التاريخي، إذ تتسع لنحو 120 ألف متر مكعب من المياه، إلا أن تحويل المنطقة إلى مقصد للمستوطنين وإقامة أنشطة دينية فيها يثير مخاوف من تغيير الطابع التاريخي للموقع وإبعاده عن سياقه الحضاري الفلسطيني.
ويمتد النشاط الإسرائيلي إلى مواقع أثرية أخرى، من بينها جبل هيروديون شرق بيت لحم، حيث تعمل سلطات الاحتلال على ربط المواقع الأثرية بالمستوطنات المجاورة، بالتوازي مع تنفيذ مشاريع ترميم وتحويل بعض المواقع إلى حدائق وطنية مخصصة لخدمة المستوطنين.
ويرى مختصون في القانون الدولي أن هذه الممارسات تتعارض مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي في الأراضي المحتلة، وفي مقدمتها اتفاقية لاهاي لعام 1954، التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال بالحفاظ على الممتلكات الثقافية وعدم تغيير معالمها أو نقلها.
ويستشهد خبراء بقضية "مخطوطات البحر الميت" باعتبارها مثالاً بارزاً على نقل المقتنيات الأثرية من الأراضي المحتلة، بعدما نُقلت المخطوطات التي اكتُشفت في خربة قمران عام 1947 إلى متحف إسرائيل عقب احتلال القدس الشرقية عام 1967.
وتؤكد المؤسسات الفلسطينية المعنية بالتراث أن ما يجري في المواقع الأثرية يمثل سياسة ممنهجة تستهدف إعادة تشكيل المشهد الثقافي والتاريخي في الضفة الغربية، عبر توظيف الآثار كأداة سياسية لتعزيز السيطرة على الأرض، في وقت يواصل فيه الفلسطينيون جهودهم للحفاظ على إرثهم الحضاري والدفاع عنه في المحافل الدولية.
.jpg)
No comments:
Post a Comment