الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
![]() |
| المصدر : موقع الجزيرة الاخباري |
تحولت الأسواق في قطاع غزة من مصدر وفير للخضراوات إلى مشهد يعكس أزمة غذائية متفاقمة، بعدما أدى العدوان الإسرائيلي المتواصل إلى تدمير معظم مقومات القطاع الزراعي، وانخفاض الإنتاج المحلي إلى مستويات غير مسبوقة، وسط ارتفاع حاد في الأسعار وتراجع قدرة المواطنين على الحصول على احتياجاتهم الأساسية.
وقبل اندلاع الحرب، كان القطاع الزراعي في غزة يوفر معظم احتياجات السكان من الخضراوات، ويحقق فائضًا للتصدير، إلا أن تدمير الأراضي الزراعية والبنية التحتية الزراعية قلب هذا الواقع، لتصبح أصناف أساسية مثل البندورة والخيار والبطاطا والفلفل والخضراوات الورقية نادرة في الأسواق، أو تباع بأسعار تفوق قدرة معظم الأسر.
ويقول المواطن علي عابد إن الخضراوات، التي كانت تشكل مكونًا رئيسيًا في الوجبات اليومية لسكان غزة، أصبحت اليوم من الكماليات بسبب ندرتها وارتفاع أسعارها، مشيرًا إلى أن الأزمة لم تقتصر على الغذاء، بل امتدت لتطال آلاف العائلات التي كانت تعتمد في دخلها على الزراعة أو الأنشطة المرتبطة بها، مثل النقل والتسويق والتجارة.
من جانبه، أوضح المواطن مصطفى درويش أن أسعار الخضراوات قبل الحرب كانت تتراوح بين شيقل واحد وأربعة شواقل للكيلوغرام، بينما أصبحت اليوم مرتفعة إلى حد يدفع كثيرًا من المواطنين إلى شراء الخضراوات بالحبة الواحدة، وفي بعض الفترات بجزء من الحبة، نتيجة الانخفاض الحاد في الكميات المعروضة وارتفاع الأسعار.
وأضاف أن سكان القطاع الذين اعتادوا على توفر مختلف أصناف الخضراوات باتوا اليوم يفتقدون حتى أبسط مكونات الوجبات اليومية، مثل طبق السلطة، في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي يعيشونها.
وفي محاولة للتكيف مع الأزمة، قال المواطن أمير عامر إن العديد من الأسر أصبحت تعتمد على الخضراوات المعلبة، مثل البازيلاء والفول والبامية والفاصولياء، باعتبارها البديل الأقل تكلفة، رغم احتوائها على مواد حافظة. وأضاف أن بعض العائلات تحاول زراعة كميات محدودة من الخضراوات بجوار خيام النزوح، إلا أن نقص المياه والأسمدة ومحدودية المساحات يجعل هذه المحاولات غير كافية لتلبية الاحتياجات اليومية.
ويرى المزارع ياسين الأسطل أن الأزمة الزراعية تعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها إغلاق المعابر ومنع إدخال البذور والأسمدة والأدوية الزراعية، إلى جانب تجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وإدراج أجزاء كبيرة منها ضمن المناطق المحظور الوصول إليها، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل وصعوبة تخزين المستلزمات الزراعية في ظل غياب مرافق آمنة.
وأشار إلى أن أسعار بعض أنواع البذور ارتفعت من نحو 500 شيقل للعبوة قبل الحرب إلى ما يقارب ثلاثة آلاف شيقل، في حين تعاني المشاتل من انخفاض الإنتاج نتيجة تدمير العديد منها، وصعوبة الحصول على البذور والأشتال.
وأضاف أن نقص المبيدات والأسمدة الزراعية وارتفاع أسعارها، إلى جانب تدمير مخازن المستلزمات الزراعية وتراجع أعداد مزارع الثروة الحيوانية التي كانت توفر الأسمدة الطبيعية، أدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج وتعقيد عملية استئناف النشاط الزراعي.
وأكد الأسطل أن الأضرار لم تقتصر على المحاصيل الزراعية، بل شملت الأشجار المثمرة والحرجية، والدفيئات الزراعية، وأشجار الزينة، في مشهد يعكس حجم الدمار الذي لحق بالمنظومة البيئية والزراعية في القطاع.
بدوره، أوضح المزارع عرفات العطار أن نقص المياه وارتفاع أسعار الوقود اللازم لتشغيل آبار المياه، إلى جانب شح الكهرباء وقطع الغيار وألواح الطاقة الشمسية، انعكس بصورة مباشرة على الإنتاج الزراعي، وأسهم في زيادة أسعار المنتجات المتوفرة في الأسواق.
وأشار إلى أن استعادة النشاط الزراعي تتطلب توفير البذور والأسمدة والمستلزمات الزراعية، إضافة إلى تأمين مساحات آمنة للزراعة، لافتًا إلى أن كثيرًا من الأراضي الزراعية تحولت إلى مواقع لإقامة خيام النازحين، بينما أصبحت مساحات أخرى ملوثة بمخلفات الحرب، ما يستدعي إعادة تأهيلها قبل استخدامها مجددًا.
وأضاف أن مدينة بيت لاهيا، التي اشتهرت بإنتاج الفراولة وتصديرها إلى الأسواق الخارجية، فقدت مكانتها الزراعية بعد أن تعرضت مزارعها لدمار واسع، الأمر الذي حرم القطاع من أحد أبرز منتجاته الزراعية.
من جهته، قال بائع الخضراوات خالد الفقعاوي إن الكميات المتوفرة في الأسواق لا تلبي حجم الطلب، ما يؤدي إلى استمرار ارتفاع الأسعار، مشيرًا إلى أن حركة البيع والشراء أصبحت مرتبطة بالكميات التي تصل إلى الأسواق يوميًا، ومعربًا عن أمله في فتح المعابر بشكل يسمح بإدخال كميات كافية تسهم في استقرار الأسعار.
وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات محلية أن القطاع الزراعي في غزة تعرض خلال الحرب لدمار واسع أدى إلى انهيار شبه كامل في بنيته الإنتاجية، حيث تجاوزت نسبة الأضرار في معظم مكوناته 85%، وذلك استنادًا إلى تحليلات الصور الجوية عالية الدقة، ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، وقواعد البيانات الزراعية الرسمية.
وبحسب البيانات، بلغت الخسائر الإجمالية للقطاع الزراعي نحو 3.49 مليار دولار، منها 1.90 مليار دولار أضرار مباشرة، و1.59 مليار دولار خسائر غير مباشرة.
كما تضرر نحو 158,909 دونمات من أصل 182,247 دونمًا من الأراضي الزراعية، بنسبة بلغت 87.1%، ما أدى إلى تراجع حاد في إنتاج المحاصيل وانخفاض القدرة على توفير الغذاء محليًا.
وأدت الحرب كذلك إلى انهيار شبه كامل في منظومة الري الزراعي، بعد خروج نحو 8,700 بئر مياه زراعية عن الخدمة، وتضرر 3,828 بركة مياه زراعية، إضافة إلى تدمير 1,371 كيلومترًا من خطوط نقل المياه الزراعية، الأمر الذي يفاقم التحديات أمام أي جهود لإعادة إحياء القطاع الزراعي واستعادة إنتاجه في المستقبل القريب.
.jpg)
No comments:
Post a Comment