الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
روائع التكوينات الكلسية... عندما تتحول قطرات الماء إلى منحوتات جيولوجية
الباحث البيئي : خالد أبو علي
عالم كارستي يخفي جمالًا تحت الأرض
وعند الوصول الى ارضية كَهْــفُ (القمر) أثارت المشاهد الأولى داخل الكَهْــفُ دهشة أعضاء الفريق الذين حملوا معهم كشافاتهم الصغيرة نظرا للظلام الدامس في داخل الكَهْــفُ ؛ فقد كشفت العتمة عن عالم جيولوجي فريد، تشكل بعيدًا عن أعين الإنسان، حيث احتضنت الصخور الجيرية تكوينات طبيعية نادرة تعكس العلاقة العميقة بين الماء والصخر والزمن.
فكَهْــفُ (القمر) هو تجويف صخري في باطن الجبل، وهو ايضا نظام جيولوجي حي يحمل آثار عمليات طبيعية بطيئة ومعقدة حدثت عبر فترات زمنية طويلة، عندما بدأت المياه بالتغلغل داخل الصخور الجيرية، مسببة عمليات إذابة وترسيب متتابعة أدت إلى تشكيل هذا العالم الكهفي المميز.
وقد شاهد أعضاء الفريق مجموعة من أجمل أشكال التكوينات الكهفية، وفي مقدمتها الصواعد والنوازل الكلسية، وهي من أكثر الظواهر الجيولوجية إثارة داخل الكهوف الكارستية.
النوازل الكلسية... ثريات حجرية من سقف الكَهْــفُ
كانت النوازل الكلسية (Stalactites) تتدلى من سقف الكَهْــفُ بأشكال متعددة، وكأنها ثريات طبيعية منحوتة من الحجر، تشكلت بفعل قطرات المياه المتسربة عبر الشقوق الدقيقة في الصخور الجيرية.
فعندما تمر مياه الأمطار خلال طبقات التربة والصخور، تذيب معها كميات صغيرة من المعادن، وخاصة كربونات الكالسيوم. وعندما تصل هذه المياه إلى سقف الكَهْــفُ ، تبدأ عملية فقدان جزء من ثاني أكسيد الكربون، مما يؤدي إلى ترسب كربونات الكالسيوم تدريجيًا حول نقطة سقوط القطرة.
ومع استمرار هذه العملية آلاف السنين، تتراكم الطبقات المعدنية واحدة فوق الأخرى، لينمو التكوين من سقف الكَهْــفُ باتجاه الأسفل، مكونًا أشكالًا حجرية معلقة تشبه الأنابيب أو المخاريط، وهي ما يعرف علميًا بالنوازل الكلسية.
الصواعد الكلسية... أعمدة تنمو نحو الضوء
وفي أرضية الكَهْــفُ، ظهرت الصواعد الكلسية (Stalagmites) التي بدت وكأنها أعمدة حجرية صغيرة ترتفع من الأرض نحو الأعلى. وتتشكل الصواعد عندما تسقط قطرات المياه المحملة بكربونات الكالسيوم من سقف الكَهْــفُ إلى الأرضية، حيث تترك وراءها طبقات دقيقة من الرواسب المعدنية. ومع تكرار سقوط القطرات في الموقع نفسه، تبدأ كتلة حجرية بالنمو تدريجيًا باتجاه الأعلى. وغالبًا ما تكون الصواعد أكثر سماكة واستدارة من النوازل؛ لأن عملية الترسيب تحدث على سطح أرضي مفتوح نسبيًا يسمح بتراكم الرواسب بطريقة مختلفة.
وقد شكلت هذه الصواعد والنوازل معًا مشهدًا جيولوجيًا مدهشًا، إذ بدت وكأنها لوحات فنية طبيعية لم تنحتها يد بشرية، وإنما رسمتها المياه والصخور والزمن عبر آلاف وربما ملايين السنين.
عندما يلتقي الصاعد بالنازل... ولادة الأعمدة الكلسية
من أجمل المشاهد التي رصدها أعضاء فريق (الى القمر) داخل الكَهْــفُ تلك المواقع التي التقت فيها النوازل القادمة من سقف الكَهْــفُ مع الصواعد الصاعدة من أرضيتها، لتشكل أعمدة كلسية طبيعية ضخمة.
وهذا الالتقاء لا يحدث بسرعة، بل يحتاج إلى فترات زمنية طويلة جدًا قد تصل إلى آلاف أو ملايين السنين، حيث تستمر عمليات الترسيب المعدني ببطء شديد حتى تتصل التكوينات العلوية والسفلية مع بعضها البعض.
وتعد هذه الأعمدة من أهم أشكال التكوينات الكهفية (Speleothems)، وهي سجلات طبيعية توثق تاريخ البيئة الجوفية وتغيراتها عبر العصور.
كيف ولد كَهْــفُ القمر؟ قراءة في التاريخ الجيولوجي
وفق المعاينة الأولية للكَهْــفُ التي أطلق عليه الفريق اسم (كَهْــفُ القمر)، فإن وجود هذه التكوينات الكلسية يشير إلى أنها نشأت داخل صخور من الحجر الجيري تعرضت لعمليات إذابة بطيئة بفعل المياه الجوفية.
وهذه العمليات تمثل جزءًا من الظواهر الكارستية المنتشرة في مناطق واسعة من جبال فلسطين الكلسية، وخاصة في مناطق نابلس وسلفيت ورام الله وطولكرم والقدس وجنين.
فالحجر الجيري، رغم صلابته الظاهرة، يبقى صخرًا قابلًا للذوبان تدريجيًا بفعل المياه التي تحمل معها أحماضًا ضعيفة ناتجة عن تفاعل مياه الأمطار مع ثاني أكسيد الكربون الموجود في التربة، ما يؤدي عبر الزمن إلى نشوء الفراغات والتجاويف والكهوف.
الرحلة الكيميائية للماء داخل الصخور
خلال الجولة الإستغوارية العلمية داخل الكَهْــفُ ، قدم الفريق شرحًا تفصيليًا لآلية تشكل هذه الظواهر الجيولوجية، موضحًا أن قصة الكَهْــفُ بدأت منذ اللحظة التي سقطت فيها قطرات المطر على سطح الأرض.
فعندما تمتص مياه الأمطار ثاني أكسيد الكربون من التربة، تتحول إلى مياه ذات حموضة ضعيفة قادرة على إذابة جزء من الحجر الجيري. وينتج عن تفاعل الماء مع ثاني أكسيد الكربون تكوّن حمض الكربونيك، الذي يقوم بإذابة كربونات الكالسيوم الموجودة في الصخور، فتحمل المياه معها أيونات الكالسيوم والبيكربونات أثناء تسربها عبر الشقوق والفراغات باتجاه أعماق الأرض.
وعندما تصل القطرة إلى سقف الكَهْــفُ ، تتغير الظروف الكيميائية بسبب انخفاض الضغط وخروج جزء من ثاني أكسيد الكربون من الماء، فتبدأ كربونات الكالسيوم بالترسب تدريجيًا حول مكان سقوط القطرة.
ومع مرور الزمن وتكرار هذه العملية الطبيعية، تتكون النوازل الكلسية من الأعلى، والصواعد الكلسية من الأسفل، ليصبح الكَهْــفُ كتابًا جيولوجيًا مفتوحًا يروي قصة التفاعل المستمر بين الماء والصخر.
الكائنات الحية في عالم الظلام
ولم تقتصر ملاحظات الفريق على التكوينات الجيولوجية فقط، بل رصدوا أيضًا بعض أشكال الحياة التي استطاعت التكيف مع الظروف الخاصة داخل البيئة الكهفية.
فالكهوف تمثل أنظمة بيئية حساسة تختلف عن البيئة الخارجية، حيث تسود ظروف خاصة من حيث انعدام الضوء، وارتفاع الرطوبة، وثبات نسبي في درجات الحرارة.
وقد احتوى الكَهْــفُ على بعض الكائنات المتكيفة مع هذه البيئة، مثل الخفافيش، وبعض الحشرات، والعناكب، والضفادع، وغيرها من الكائنات التي تستطيع العيش في الظلام.
ويؤكد وجود هذه الكائنات القيمة البيئية للكَهْــفُ ، باعتباره نظامًا طبيعيًا يحتاج إلى الحماية والمحافظة على توازنه.






No comments:
Post a Comment