الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
رحلة إلى قرية تنبض بالحياة والتطوع والجمال
الباحث البيئي : خالد ابو علي
في أمسية صيفية حملت عبق الأرض الفلسطينية، نظم فريق "امشِ وتعرّف على بلدك" جولة بيئية إلى قرية فرخة، إحدى أجمل قرى محافظة سلفيت شمال الضفة الغربية ، التي تبعد نحو 5 كم عن مدينة سلفيت، وتحدها من الشرق والشمال مدينة سلفيت، ومن الجنوب قراوة بني زيد وبني زيد الشرقية، ومن الغرب قرية بروقين.
وصلنا إلى فرخة قرابة الساعة الخامسة من مساء الأربعاء 5 آب 2026، وكانت القرية تعيش حالة استثنائية من النشاط والحيوية، استعدادًا لانطلاق اليوم الثالث من مهرجان فرخة الدولي التاسع والعشرين، حيث امتزجت روح التطوع بعبق التراث، واجتمع الشباب والمتطوعون من مختلف محافظات الوطن ليؤكدوا أن خدمة المجتمع والانتماء للأرض ما زالا لغة الفلسطيني الأولى.
مهرجان يزرع الأمل في أرضٍ تعشق الحياة
التقينا بالقرب من منصة الاحتفال بمدير المهرجان والناطق الرسمي باسمه بكر حماد، الذي تحدث بحماس عن التجربة الفريدة التي صنعتها فرخة عبر سنوات طويلة، مؤكداً أن القرية أصبحت نموذجًا فلسطينيًا رائدًا في مجالات النظافة والعمل البيئي والزراعة العضوية والتنمية المجتمعية، حتى غدا المهرجان محطة سنوية ينتظرها المتطوعون والزوار من مختلف المحافظات.
وأشار حماد إلى أن هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة تعاون جميع مؤسسات القرية وأهلها، موجهًا دعوة لكل الفلسطينيين لزيارة فرخة والاطلاع على تجربتها التنموية التي أصبحت مصدر إلهام للعديد من المبادرات المجتمعية.
وعندما سألناه عن سر تسمية القرية، أوضح أن كلمة "الفرخ" في اللغة العربية تعني ولد الطائر، كما تطلق أيضًا على نصل الرمح ذي السنان العريض، في دلالة تجمع بين الحياة والقوة والأصالة.
في أزقة البلدة القديمة... الحجر يروي حكايات الأجداد
ما إن دخلنا البلدة القديمة حتى شعرنا أننا نعبر بوابة الزمن. الأزقة الحجرية الضيقة، وأحواش العائلات المتجاورة، والبيوت العتيقة بأبوابها الخشبية ونوافذها المقوسة، جميعها كانت تروي قصة مجتمع فلسطيني متماسك عاش هنا يومًا، قبل أن ينتقل أبناؤه إلى البيوت الحديثة، تاركين خلفهم ذاكرة لا تزال تنبض بين الجدران.
تأملنا السلالم الحجرية التي عبرتها أقدام الأجداد، شممنا رائحة الجدران ، وشاهدنا الخوابي التي كانت تحفظ فيها الحبوب والمحاصيل، وكأنها خزائن للأمن الغذائي الفلسطيني، تحفظ تعب الفلاحين ورائحة القمح والزيت والزيتون.
التقط أعضاء الفريق عشرات الصور، ليس للحجارة وحدها، بل لذاكرة المكان، ولجمال القرية التي ما زالت تحافظ على روحها الأصيلة ونسيجها الاجتماعي الدافئ.
بين أزقة الذاكرة ورائحة التين الناضج
ومع استمرار الرحلة، سار الفريق بين أزقة البلدة القديمة في فرخة، حيث تتعانق الحجارة العتيقة مع حكايات الأجداد، وتنساب خطوات الزوار في ممرات تحفظ في تفاصيلها عبق المكان ودفء الحياة الريفية. وهناك، تحولت الجولة الى عبور بين البيوت القديمة، ورحلة في قلب التراث الفلسطيني؛ حيث توقف المشاركون تحت ظلال أشجار التين المباركة، ومدّوا أيديهم لالتقاط ثمارها الطيبة التي نضجت على مهل تحت شمس الصيف، فتذوقوا حلاوة الأرض وكرم الطبيعة. كانت لحظات بسيطة لكنها عميقة، جمعت بين الإنسان والشجرة والتراب، وأعادت التأكيد أن في كل ثمرة من ثمار فلسطين قصة عشق وانتماء.
حين يصنع الغذاء... تُصنع الحرية
وفي يوم التراث، تحولت البلدة القديمة إلى لوحة فلسطينية نابضة بالألوان والروائح والأغاني، حيث انتشر معرض المنتجات الريفية والمأكولات الشعبية تحت الشعار الجميل:
"من يزرع ويصنع غذاءه... يصنع حريته"
شاركت في المعرض جمعيات نسوية ومؤسسات مجتمعية قدمت منتجات محلية تعكس ارتباط الفلسطيني بأرضه، وتؤكد أن الاكتفاء من خيرات الوطن هو أحد وجوه الصمود والحرية.
كما أبدعت فرقة سكاكا للدبكة الشعبية في تقديم لوحات فولكلورية وتراثية، رافقتها قصائد الزجالين الشعبيين الذين أعادوا إلى الساحات نبض الحكاية الفلسطينية، بينما كانت الأهازيج تمتزج بإيقاع الأقدام، فتولد سيمفونية من الفرح والانتماء.
غروبٌ يحمل الشمس... ويترك في القلب وطناً
ومع اقتراب المساء، صعدنا إلى أسطح البيوت القديمة، حيث كان المشهد أقرب إلى لوحة فنية رسمتها الطبيعة بحنان. هناك، شاهدنا قرص الشمس وهو يغوص ببطء في حضن البحر الأبيض المتوسط، بينما كانت السماء ترتدي أثوابًا من الذهب والبرتقالي والأحمر القاني.
في تلك اللحظة، بدا وكأن أيادي فلسطين تودع يومًا جميلاً، لتستقبل فجرًا جديدًا مليئًا بالأمل، فيما كانت حجارة فرخة العتيقة تستحم بأشعة الغروب، فتزداد دفئًا وبهاءً.
عدنا... لكن فرخة بقيت تسكن القلب
غادرنا فرخة باتجاه رام الله، لكننا لم نغادرها حقًا. حملنا معنا أصوات الزجالين، وإيقاع خطوات فرقة الدبكة، وأنغام الموسيقى الشعبية، وضحكات الأطفال التي كانت تتردد في أزقة البلدة القديمة، ورائحة الخبز والزيتون والحجارة التي تحفظ ذاكرة المكان.كانت رحلة قصيرة في المسافة، لكنها طويلة في المعنى... رحلة أكدت لنا أن فلسطين أرض وحكاية تُروى، وتراث يُعاش، وبيئة تُصان، وإنسان يصنع الحياة رغم كل التحديات.
حقًا... كان يومًا فلسطينيًا استثنائيًا، سيظل محفورًا في الذاكرة، كما تُحفر أسماء العاشقين على حجارة الوطن .







No comments:
Post a Comment