الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
صباحٌ يبدأ من الأرض… وينتهي في حضن الجبل
الباحث البيئي : خالد ابو علي
في صباح الجمعة، السابع من آب 2026، انطلق فريق " إلى القمر" محمّلاً بروح المغامرة، وشغف اكتشاف المكان، وقلوبٍ تنبض بالانتماء إلى أرضٍ لا تزال تختزن في ينابيعها ومغاراتها وحقولها وجبالها حكاياتٍ فلسطينية لا تنتهي. حيث شكل هذه الفعالية الرياضية الجبلية رحلةً بين الماء والزراعة والتراث والجيولوجيا، وبين الإنسان الفلسطيني الذي يمشي في أرضه ليعرفها أكثر، ويحبها أكثر، ويتمسك بها أكثر.
عين الهوية في حوسان… حين يتنفس الماء من جوف الأرض
كانت المحطة الأولى عين الهوية في بلدة حوسان، حيث خاض عدد من أعضاء الفريق تجربة استكشاف المغارة التي تنبع منها العين، ودخلوا إلى أعماقها عبر نفقٍ مائي تتدفق فيه المياه الجوفية العذبة في مسارٍ طبيعي أخاذ.وفي عتمة المغارة، كان صوت الماء هو سيد المكان؛ مياهٌ أزلية تشق طريقها من باطن الأرض، قبل أن تخرج لتملأ بركةً كبيرة يستفيد منها المزارعون في ري محاصيلهم الصيفية. هناك، بدا المشهد وكأنه درسٌ مفتوح في البيئة والزراعة: قطرة ماء تخرج من قلب الجبل، لتمنح الحقل حياة، وتمنح المزارع قدرةً جديدة على البقاء في أرضه.
بتير… حين تصبح الزراعة تراثاً حيّاً
من بلدة حوسان، واصل الفريق طريقه نحو بلدة بتير، جوهرة الغرب الفلسطيني، التي تتربع على قائمة التراث العالمي لما تختزنه من مدرجات زراعية حجرية مدهشة، ونظام ري تقليدي فريد يعتمد على الينابيع الطبيعية التي واصلت تغذية الأرض منذ مئات السنين.
في بتير، تبدو مهنة الزراعة وكأنها جزء من هوية المكان وذاكرته. فالحجارة التي تشكل المدرجات، والماء الذي يتنقل بين القنوات، والأرض التي تحتضن المحاصيل، جميعها تروي قصة علاقة استثنائية بين الإنسان والطبيعة. وكأن الزمن هنا قرر أن يتوقف قليلاً، ليحفظ للإنسان الفلسطيني نموذجاً حياً على قدرة الأجداد على إدارة الماء وصون الأرض واستثمار مواردها دون أن يفقدوا روحها.
مهرجان الباذنجان البتيري… طعم الأرض ورسالة الصمود
وفي قلب بتير، تجول أعضاء فريق " إلى القمر" بين أروقة مهرجان سوق الباذنجان البتيري السنوي، الذي تحول إلى مناسبة زراعية وتراثية وسياحية تجمع المزارعين وأهالي البلدة والزوار، وتفتح نافذة جميلة للتعريف بمنتجات بتير وموروثها الزراعي والثقافي.
فالاحتفاء بمحصولٍ الباذنجان الزراعي البتيري، هو حقا احتفاء بالمزارع الفلسطيني وبالأرض التي يزرعها، وبالينابيع التي تسقيها، وبالمدرجات الحجرية التي حمت تربتها عبر الأجيال.
وقد شكّل المهرجان الذي يمتد على مدار اربعة ايام مساحة مهمة لتسويق المنتجات الزراعية والحرفية، ودعم المزارعين، وتنشيط الحركة السياحية والاقتصادية في البلدة، إلى جانب إبراز القيمة البيئية والتراثية لبتير.
إنها رسالة وطنية بامتياز: حين نشتري من المزارع، ونزور أرضه، ونتذوق محصوله، فإننا لا ندعم اقتصاداً محلياً فحسب، بل نشارك في حماية الأرض وصون التراث وتعزيز صمود الإنسان الفلسطيني.
من حكاية الباذنجان إلى حكاية الجبل
وبعد أن أنهى الفريق جولته بين ألوان السوق وروائح المنتجات الزراعية ودفء الحكايات الشعبية، بدأت مرحلة جديدة من المغامرة.
اتجه المغامرون نحو وادي المخرور الساحر لخوض تجربة التسلق والإنزال الجبلي بالحبال، بالتعاون مع فريق " إلى القمر" بقيادة الكابتن بلال الحوساني. هناك، تغيرت لغة الرحلة؛ من ينابيع الماء ومدرجات الزراعة إلى الصخور والجروف والارتفاعات. صعد المشاركون نحو الجبل، لامسوا الصخر والتراب، واستنشقوا هواء فلسطين النقي، وشعروا بأن الطبيعة نفسها تشاركهم فرحة المغامرة.
الأطفال يتسلقون الجبل… والشجاعة تكبر مع الصخر
ومن أجمل ما ميّز هذه المغامرة الرياضية والبيئية مشاركة الأطفال برفقة أهاليهم. فقد صعد أطفال في التاسعة والعاشرة من أعمارهم نحو الصخور بثقة وإرادة، وخاضوا تجربة الإنزال من الجرف نفسه، بل أضفوا عليها لمسات رياضية بهلوانية مميزة، وسط متابعة دقيقة من المتطوعين واستخدام كامل لمعدات الحماية والسلامة. كان المشهد أكثر من مجرد لعبة رياضية؛ بل كان درساً صغيراً في الثقة بالنفس، والشجاعة، والانضباط، واحترام الطبيعة، والعمل الجماعي.
السلامة أولاً… مغامرة تحترم الإنسان والطبيعة
ولضمان تجربة آمنة ومدروسة، عمل فريق " إلى القمر" بمساندة مجموعة من المتطوعين على تجهيز موقع التسلق والإنزال، وربط الحبال بنقاط الارتكاز والحلقات الحديدية المعدة مسبقاً، إلى جانب إجراء فحص شامل لمعدات السلامة قبل بدء النشاط.
فالرياضة الجبلية لا تقوم على الجرأة وحدها؛ بل تحتاج إلى معرفة دقيقة بالموقع، وخبرة في التعامل مع الصخور والارتفاعات، والتزام صارم بإجراءات السلامة.
قبل المغامرة… قراءةٌ دقيقة للجبل
لم تكن مغامرة بتير وليدة اللحظة، بل جاءت ثمرة إعداد ميداني دقيق واهتمام بالتفاصيل.
فقد سبق تنفيذ النشاط قيام الكابتن بلال الحوساني، قائد فريق " إلى القمر" بمعاينة ميدانية للجرف الجبلي في قلب وادي المخرور، حيث جرى اختيار نقاط التسلق والإنزال على ارتفاع يقارب 20 متراً، بعد التأكد من ملاءمتها واستقرارها وخلوها من مؤشرات الانهيارات، والاستناد إلى خبرة سابقة في استخدام الموقع خلال فعاليات مماثلة ، رغم الخسارات الكبيره التي لحقت بالمكان جراء حريق اندلع في المنطقة سابقا وادى الى احتراق الأشجار والأعشاب الجافة .
وهنا تتجلى فلسفة المغامرة الحقيقية: أن نقترب من الطبيعة دون أن نؤذيها، وأن نختبر قوتنا دون أن نتحدى قوانينها.
حبالٌ من أمان… وفريقٌ يصنع الثقة
تحت الإشراف المباشر للكابتن الحوساني، وبدعم من الفريق اللوجستي المكوّن من محمد أبو علي، أمجد القواسمي وداوود القواسمي، جرى تجهيز موقع النشاط وتثبيت الحبال المزدوجة على نقاط الارتكاز المعتمدة، مع استخدام تجهيزات الأمان المناسبة.
كما تم توزيع الخوذات وأحزمة الأمان ، الهارنس ، والقفازات وأجهزة التسلق والإنزال، مع فحص المعدات وإجراء التعديلات اللازمة بما يتناسب مع طبيعة كل مشارك وخبرته، لتوفير أعلى درجات السلامة والراحة خلال التجربة.
لحظة التسلق والإنزال … حين يصبح الخوف شجاعة
ثم جاءت اللحظة المنتظرة. مشاركٌ تلو الآخر، بدأ التسلق ومن ثم النزول من أعلى الجرف، وسط مراقبة دقيقة من المساعدين والمتطوعين. كانت كل خطوة تحمل شيئاً من الترقب، وكل حركة تزداد معها الثقة. نظرةٌ من أحد المتطوعين، كلمة طمأنينة، يدٌ تمسك بالحبل، وخطوةٌ أخرى نحو الأسفل… وفي تلك اللحظات، كان الحبل وسيلة للتسلق والإنزال، ورمزاً للثقة والتعاون والانضباط؛ حبلٌ يربط الإنسان بالجبل، ويربط أفراد الفريق بعضهم ببعض.
عدسات تحفظ المغامرة… وذاكرة تحفظ المكان
ولأن المغامرات الجميلة لا تكتمل إلا بذاكرة تحفظ تفاصيلها، جرى توثيق الرحلة بالصور ومقاطع الفيديومن قبل عامر القواسمي من ادارة " فريق الى القمر " حيث شارك ابنائه الأطفال المغامرين ( مريم وعبدالله وساره القواسمي) بهذه الفعالية الرياضية الجبلية، لتبقى لحظات التسلق والإنزال، وضحكات الأطفال، وجمال وادي المخرور، وأسواق بتير، وينابيع حوسان، حاضرةً في الذاكرة والوجدان.
من الماء إلى الصخر… فلسطين تُكتشف بالقلب
وهكذا انتهت فعالية الرياضة الجبلية، رحلة تسلق وإنزال بالحبال، كانت حقا رحلةً في قلب الجغرافيا الفلسطينية؛ من عينٍ تخرج من رحم الأرض، إلى مدرجٍ زراعي يحفظ الماء والتراب، إلى محصولٍ يحمل اسم البلدة، وصولاً إلى صخرةٍ شامخة تختبر شجاعة الإنسان. كانت فعالية بيئية جبلية تقول لنا إن فلسطين تُكتشف بالعين وبالقلب في آن واحد . حين نمشي في دروبها نعرفها، وحين نلامس صخورها نشعر بها، وحين نشرب من مياهها نفهم سرّ تعلق أهلها بها.
وفي كل خطوة، وكل قطرة ماء، وكل حبة باذنجان، وكل حجرٍ في مدرجٍ زراعي، وكل حبلٍ يشد المغامر نحو صخرة المخرور، تبقى الرسالة واحدة:
هذه الأرض حياةٌ وذاكرةٌ وهوية… فلنمشِ فيها، ولنحافظ عليها، ولنحبها أكثر.






No comments:
Post a Comment