نحو بيئة نظيفة وجميلة

test

أحدث المقالات

شبكة صبا الإعلامية

شبكة صبا الإعلامية

Monday, August 31, 2026

سبسطية.. خمسة آلاف عام من الحضارات على قائمة التراث العالمي في مواجهة الاستيطان

الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands

بلدة سبسطية يعود اسمها إلى اللفظ الإغريقي "سبسطي"، وهو مرادف للقب الإمبراطور الروماني أوغسطس، ويعني لغويا "المبجلة" أو "الموقرة" (أسوشيتد برس)

تُعد بلدة سبسطية، الواقعة شمال غرب مدينة نابلس، من أقدم الحواضر المأهولة في فلسطين التاريخية، إذ تمتد جذورها إلى أكثر من خمسة آلاف عام. وتعاقبت عليها حضارات وممالك عدة، بدءًا من الكنعانيين في العصر البرونزي، مرورًا بمدينة السامرة التي أسسها الملك عمري في القرن التاسع قبل الميلاد، وصولًا إلى العهود الآشورية والفارسية والهيلينستية والرومانية والبيزنطية، ثم الفترات الإسلامية والصليبية والعثمانية.

وتحتفظ البلدة بمئات الشواهد الأثرية التي توثق هذا التتابع الحضاري، إلى جانب طابع عمراني ارتبط بدورها خلال العهد العثماني باعتبارها إحدى قرى الكراسي ومراكز النفوذ المحلي.

وفي 24 يوليو/تموز 2026، أدرجت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" سبسطية رسميًا على قائمة التراث العالمي، خلال اجتماع اللجنة الذي عقد في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية، في خطوة عززت الاعتراف الدولي بالقيمة التاريخية والثقافية للبلدة.

موقع استراتيجي وتاريخ عريق

تقع سبسطية على بعد نحو 12 كيلومترًا شمال غرب نابلس في الضفة الغربية، عند نقطة تلتقي فيها طرق تربط محافظات نابلس وجنين وطولكرم، وتمتد باتجاه السهل الساحلي ووادي الأردن.

وتقوم البلدة الأثرية على تلة جبلية ترتفع نحو 463 مترًا عن سطح البحر، وتحيط بها أودية وأراضٍ خصبة تشتهر بزراعة الزيتون واللوزيات والتين والمحاصيل الحقلية.

ويرتبط اسم سبسطية باللفظ اليوناني "سبسطي"، الذي يعني "المبجلة" أو "الموقرة"، وهو لقب ارتبط بالإمبراطور الروماني أوغسطس. وأطلق هيرودس الكبير الاسم على المدينة بعد أن منحه إياه الإمبراطور عام 30 قبل الميلاد، قبل أن يعيد بناء المدينة وتخطيطها على الطراز الروماني عام 27 قبل الميلاد تكريمًا له.

من الكنعانيين إلى السامرة

تشير الأدلة الأثرية إلى أن أقدم مظاهر الاستيطان في سبسطية تعود إلى العصر البرونزي المبكر، نحو عام 3200 قبل الميلاد، حين سكنها الكنعانيون.

وأدى موقعها الاستراتيجي إلى منحها أهمية متزايدة، إلى أن أصبحت في القرن التاسع قبل الميلاد مركزًا سياسيًا بارزًا. ففي نحو عام 876 قبل الميلاد، بنى الملك عمري مدينة على التلة وأطلق عليها اسم السامرة، واتخذها عاصمة جديدة لمملكته.

وساعد موقع المدينة في السيطرة على طرق التجارة، ما منحها أهمية سياسية واقتصادية كبيرة، قبل أن تسقط في يد الآشوريين بقيادة سرجون الثاني عام 722 قبل الميلاد.

وبعد الحكم الآشوري، خضعت المدينة للحكم الفارسي، ثم دخلت مرحلة جديدة مع التوسع الهيلينستي في المنطقة.

الحقبة الهيلينستية والرومانية

في عام 331 قبل الميلاد، احتل الإسكندر الأكبر المدينة، وتحولت إلى بلدة هيلينية استقر فيها جنود مقدونيون، لتتأثر بهويتها العمرانية والحضارية بالتقاليد اليونانية.

وفي العهد الحشموني، تعرضت المدينة للدمار عام 108 قبل الميلاد، لكنها استعادت مكانتها لاحقًا في ظل الحكم الروماني.

وفي عام 27 قبل الميلاد، أعاد هيرودس الكبير بناء سبسطية على نطاق واسع، وأدخل عليها طابعًا عمرانيًا رومانيًا واضحًا، لتشهد مرحلة من الازدهار العمراني والحضاري.

واستمرت أهمية المدينة خلال العهد الروماني، إلى أن منحها الإمبراطور سبتيموس سيفيروس، نحو عام 200 ميلادي، مكانة كولونيا رومانية، الأمر الذي عزز مكانتها ضمن المدن الرومانية في المنطقة.

سبسطية مركز ديني في العهد البيزنطي

مع انتشار المسيحية في المنطقة خلال العصر البيزنطي، اكتسبت سبسطية أهمية دينية بارزة، وأصبحت مركزًا أسقفيًا.

وارتبطت مكانتها الدينية بالموقع الذي يُنسب إليه قبر النبي يحيى عليه السلام، المعروف في التراث المسيحي بيوحنا المعمدان، ما منح المدينة مكانة دينية وجعلها مقصدًا للزوار.

وفي عام 15 للهجرة، الموافق 636 للميلاد، دخلت سبسطية مرحلة الحكم الإسلامي بعد فتحها على يد المسلمين بقيادة عمرو بن العاص، لتصبح جزءًا من الحضارة الإسلامية في بلاد الشام.

من العهد الصليبي إلى الحكم العثماني

خلال الفترة الصليبية، شهدت سبسطية تحولًا في معالمها الدينية، إذ أقيمت كاتدرائية فوق الموقع المرتبط بضريح النبي يحيى عليه السلام.

وظلت البلدة تحت السيطرة الصليبية إلى أن حررها صلاح الدين الأيوبي عام 583هـ/1187م. وتحولت الكاتدرائية لاحقًا إلى مسجد النبي يحيى، الذي أصبح أحد أبرز معالم البلدة التاريخية والدينية.

وفي العهد العثماني، واصلت سبسطية الاحتفاظ بأهميتها، وأضيف إليها جامع عثماني، فيما أمر السلطان عبد الحميد الثاني ببناء مئذنته عام 1892.

وفي أواخر العهد العثماني، برزت سبسطية باعتبارها إحدى "قرى الكراسي"، وهي مراكز للنفوذ المحلي حكمت منها عائلات متنفذة مناطق واسعة من محيطها.

وانعكس هذا الدور على عمران البلدة، حيث شُيدت فيها قصور ومبانٍ كبيرة تحمل خصائص العمارة الفلسطينية التقليدية، ومن أبرزها قصر الكايد وقصر الحواري.

معالم أثرية تحكي تاريخ المدينة

تضم سبسطية مجموعة واسعة من المواقع الأثرية التي تعكس المراحل الحضارية المختلفة التي مرت بها، وتشكل في مجموعها سجلًا تاريخيًا مفتوحًا.

شارع الأعمدة الروماني

يُعد شارع الأعمدة من أبرز معالم سبسطية الأثرية، ويمتد لنحو 800 متر باتجاه البوابة الغربية.

وكان الشارع يضم في السابق نحو 600 عمود، فيما لا تزال أجزاء من الأعمدة والتيجان الكورنثية شاهدة على الطابع العمراني الذي اتسمت به المدينة خلال الحقبة الرومانية.

المسرح الروماني

يعكس المسرح جانبًا من الحياة العامة والثقافية في المدينة خلال العصر الروماني. ويتخذ شكلًا نصف دائري، وينقسم إلى أجزاء سفلية وأخرى علوية، وصُمم لاستيعاب مئات المتفرجين.

معبد أغسطس

توجد أساسات معبد أغسطس في أعلى التلة التي تقوم عليها سبسطية، ويُعد من أبرز المعالم المرتبطة بالعصر الروماني.

وشيد هيرودس الكبير المعبد تكريمًا للإمبراطور الروماني أوغسطس، ضمن عملية إعادة بناء المدينة وتطويرها.

ساحة البازيليكا والمحكمة والسوق

تضم المنطقة مجموعة من المعالم التي تعكس التنظيم المدني والإداري للمدينة الرومانية، بينها ساحة البازيليكا والمحكمة والسوق، إضافة إلى الساحة العامة المعروفة باسم الفوروم.

البرج الهيليني

يعود البرج الهيليني إلى القرن الرابع قبل الميلاد، وهو برج دفاعي دائري ضخم يتميز بطريقة بناء خاصة، إذ رُصفت حجارته الكبيرة بصورة رأسية مائلة.

المقبرة الرومانية وقبر القبة

يتكون الموقع من مبنى كان يستخدم كمقبرة عائلية، ويتميز بسقف على شكل قبة دائرية، فيما زُينت واجهته الخارجية بأعمدة حجرية ويضم من الداخل توابيت حجرية كبيرة.

مسجد النبي يحيى

يقع المسجد في وسط البلدة، ويرتبط بالموقع الذي يُعتقد، وفق التراث الإسلامي والمسيحي، أنه يضم ضريح النبي يحيى بن زكريا عليه السلام، المعروف في المسيحية بيوحنا المعمدان.

سبسطية على قائمة التراث العالمي

جاء إدراج سبسطية على قائمة التراث العالمي لليونسكو في 24 يوليو/تموز 2026 ليمنح البلدة اعترافًا دوليًا بقيمتها التاريخية والثقافية.

وأثار القرار ترحيبًا فلسطينيًا، إذ اعتبر المندوب الدائم لفلسطين لدى اليونسكو، السفير عادل عطية، إدراج سبسطية انتصارًا للهوية الوطنية الفلسطينية وخطوة مهمة لحماية الموقع من مخاطر التهويد والاندثار.

في المقابل، اعترضت إسرائيل على القرار، إذ قالت مندوبة إسرائيل لدى اليونسكو نينا بن عامي ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن القرار، بحسب موقفهما، يتجاهل ما وصفاه بـ"الارتباط اليهودي التاريخي" بتلة السامرة التوراتية.

الموقع الأثري في مواجهة القيود الإسرائيلية

رغم إدراج سبسطية على قائمة التراث العالمي، تواجه البلدة تحديات ميدانية مرتبطة بالسيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من منطقتها الأثرية والتاريخية.

ويقع ما يقارب نصف مساحة البلدة ضمن المنطقة المصنفة "ج"، والخاضعة للسيطرة العسكرية والإدارية الإسرائيلية الكاملة. وقد انعكس ذلك على قدرة المؤسسات الفلسطينية على إدارة الموقع وحمايته، إذ تُمنع بلدية سبسطية من تنفيذ أعمال الترميم والصيانة والتنقيب العلمي في أجزاء من المنطقة.

كما تشمل القيود ملاحقة طواقم النظافة الفلسطينية وعرقلة عملها، إضافة إلى منع رفع العلم الفلسطيني في المنطقة الأثرية.

مشروع "متنزه السامرة" ومخاوف فلسطينية

منذ عام 2023، اتجهت الحكومة الإسرائيلية إلى تخصيص ميزانيات تجاوزت 30 مليون شيكل لتنفيذ مشروع "متنزه السامرة الوطني" في المنطقة.

ويتضمن المشروع إنشاء طريق التفافي يتيح الوصول إلى المنطقة الأثرية دون المرور بالبلدة الفلسطينية، إلى جانب إقامة سياج سلكي قد يعيق وصول المزارعين الفلسطينيين إلى حقول الزيتون المحيطة بالموقع.

ويخشى الفلسطينيون من أن يؤدي المشروع إلى عزل سبسطية عن محيطها التاريخي والزراعي، وإعادة تشكيل العلاقة بين سكان البلدة والموقع الأثري، الذي يمثل جزءًا أساسيًا من هويتهم ومصدرًا مهمًا للنشاط السياحي والاقتصادي.

ثكنة عسكرية داخل المنطقة الأثرية

شهدت المنطقة خلال عامي 2024 و2025 تصعيدًا إضافيًا، بعدما استولت قوات الاحتلال على مساحة تقدر بنحو 1300 متر مربع داخل منطقة الآثار لإقامة ثكنة عسكرية دائمة تطل على معبد أغسطس وعدد من المواقع الأثرية الرئيسية.

ويضاف ذلك إلى سلسلة من الإجراءات التي يقول الفلسطينيون إنها تؤثر في قدرة المؤسسات المحلية على حماية الموقع وإدارته، وتزيد من الضغوط المفروضة على البلدة وسكانها.

التراث الفلسطيني في مواجهة واقع ميداني متغير

لا تقتصر التحديات التي تواجهها سبسطية على المشاريع الاستيطانية والإجراءات العسكرية، إذ تشهد البلدة أيضًا اقتحامات متكررة من قوات الاحتلال والمستوطنين، وإغلاقات للطرق المؤدية إليها، إلى جانب هدم عدد من المنشآت السياحية والمقاهي.

وبينما يمثل إدراج سبسطية على قائمة التراث العالمي اعترافًا دوليًا بقيمتها التاريخية والثقافية، تستمر المعركة على الأرض حول مستقبل الموقع ومحيطه، في ظل مخاوف فلسطينية من أن تؤدي الإجراءات الإسرائيلية إلى تغيير معالم المنطقة وعزلها عن محيطها السكاني والزراعي.

وبذلك تقف سبسطية اليوم عند تقاطع مسارين متناقضين: اعتراف دولي متزايد بقيمتها باعتبارها موقعًا يجسد آلاف السنين من التاريخ، وواقع ميداني يفرض قيودًا متزايدة على الوصول إلى أجزاء من الموقع وإدارته والحفاظ عليه.

No comments:

Post a Comment

كوزمتكس مريم دعيبس

كوزمتكس مريم دعيبس
كل ما تحتاجينه في مكان واحد

Featured Post

جودة البيئة تبدأ إعداد سياسة وطنية لإدارة النفايات الكهربائية والإلكترونية في فلسطين

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands بدأت سلطة جودة البيئة العمل على إعداد السياسة الوطنية والتعليمات الخاصة بإدارة النفايات الكهربائية والإلك...

Post Top Ad

Your Ad Spot

???????