نحو بيئة نظيفة وجميلة

test

أحدث المقالات

شبكة صبا الإعلامية

شبكة صبا الإعلامية

Sunday, August 2, 2026

كَهْــفُ القَمَـر فِي حُوَّارَةَ... مُتْحَـفٌ جِيُولُوجِـيٌّ طَبِيعِـيٌّ يَرْوِي ذَاكِـرَةَ الأَرْضِ الفِلَسْطِينِيَّـةِ

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands

الكهوف الكارستية في فلسطين بين ذاكرة الأرض وواجب الحماية


الباحث البيئي خالد أبو علي

الكهوف الكارستية... متاحف جيولوجية تحفظ ذاكرة ملايين السنين

تمثل الكهوف الكارستية في فلسطين أحد أبرز المعالم الجيولوجية الطبيعية التي تشهد على تاريخ الأرض وتطورها عبر ملايين السنين. فقد تشكلت هذه الكهوف نتيجة عمليات جيولوجية معقدة تمثلت في إذابة الصخور الجيرية بفعل المياه الجوفية، لتنتج منظومة فريدة من الممرات والتجاويف والصواعد والنوازل ذات القيمة العلمية والجمالية العالية. وتعد هذه الكهوف سجلاً طبيعياً يوثق التغيرات المناخية والجيولوجية والبيئية التي مرت بها فلسطين، الأمر الذي يجعلها مختبرات طبيعية مفتوحة للباحثين والجيولوجيين، وإرثاً وطنياً يستحق التوثيق والدراسة والحماية، باعتبارها جزءاً أصيلاً من الهوية الطبيعية الفلسطينية وحقاً للأجيال القادمة.

الذهب المزعوم... والخسارة الحقيقية

وثق فريق "إلى القمر" خلال عشرات رحلات الاستغوار في مختلف المحافظات الفلسطينية العديد من مظاهر العبث والتخريب التي تتعرض لها الكهوف الكارستية، كان المشهد يتكرر بصورة مؤلمة؛ آثار حفر عشوائي، وصخور مكسرة، وردم داخل الممرات، وحفر عميقة أحدثها باحثون عن أوهام متوارثة تزعم وجود الذهب والكنوز المدفونة داخل الكهوف.
حيث يقوم بعض الأشخاص بأعمال حفر وتنقيب غير قانونية مدفوعين بخرافات متوارثة حول وجود "كنوز وذهب" مدفون داخل الكهوف. ورغم أن هذه الممارسات تستند إلى خرافات لا أساس علمياً لها، فإنها تتسبب في خسائر حقيقية لا يمكن تعويضها. فالذهب الحقيقي الموجود في هذه الكهوف ليس معدناً ثميناً، وإنما يتمثل في قيمتها الجيولوجية والبيئية والعلمية والوطنية، وفي المعلومات التي تختزنها عن تاريخ الأرض والإنسان، والتي قد تضيع إلى الأبد بمجرد ضربة معول أو مطرقة.

الصواعد والنوازل... تحف طبيعية لا يمكن استعادتها

ومن أخطر المظاهر إيلاماً التي رصدها الفريق تعمد بعض العابثين كسر وتحطيم الصواعد والنوازل الجيرية أثناء عمليات الحفر والتنقيب، رغم أن هذه التكوينات تعد من أندر الظواهر الجيولوجية، إذ احتاجت إلى مئات الآلاف من السنين لتتشكل بفعل الترسيب البطيء لقطرات المياه المشبعة بكربونات الكالسيوم حتى أصبح نموها يقاس بالملليمترات.
إن تدمير هذه التكوينات خلال دقائق يمثل خسارة علمية وبيئية لا يمكن تعويضها، كما أن استخدام معدات بدائية وخطرة، مثل مطارق الهدم الثقيلة (الكونغو) والسلالم البدائية المتهالكة، يعرض حياة المتسللين أنفسهم لمخاطر الانهيارات والسقوط داخل الكهوف، إلى جانب ما يسببه من أضرار جسيمة للنظام البيئي الحساس داخلها.

الكهوف الكارستية... شواهد على تاريخ الإنسان في فلسطين

لا تقتصر أهمية الكهوف على قيمتها الجيولوجية، بل تمثل أيضاً سجلاً أثرياً وتاريخياً يوثق حياة الإنسان في فلسطين عبر العصور. فقد استخدمت العديد منها كملاجئ طبيعية خلال فترات الصراع، وأماكن للاختباء أو السكن المؤقت، كما استُخدمت بعض الكهوف للدفن في عصور مختلفة. ولهذا كثيراً ما تظهر أثناء أعمال الحفر غير القانونية بقايا فخارية وعظام متناثرة.
و كما أنها موائل بيئية لكائنات متخصصة، ومختبرات طبيعية يعتمد عليها الباحثون في دراسة الجيولوجيا والهيدرولوجيا والتنوع الحيوي، إلى جانب كونها جزءاً أصيلاً من التراث الطبيعي والهوية البيئية لفلسطين هي شواهد تاريخية ينبغي أن تخضع للدراسة العلمية المتخصصة، لا أن تكون ضحية للتخريب والنهب.

رسالة فريق "إلى القمر"... الاستغوار من أجل المعرفة لا من أجل التنقيب

منذ انطلاقه، تبنى فريق "إلى القمر" رسالة بيئية ووطنية تقوم على استكشاف الكهوف بهدف التعرف إليها وتوثيقها، ونشر ثقافة الاستغوار الآمن، وتعزيز الوعي بأهمية التراث الجيولوجي الفلسطيني.
ويرى الفريق أن كل كهف يتم اكتشافه أو توثيقه يمثل صفحة جديدة تضاف إلى السجل الطبيعي لفلسطين، وأن حماية هذه المواقع مسؤولية أخلاقية ووطنية قبل أن تكون مسؤولية علمية، لأن ما نفقده اليوم لن تتمكن الأجيال القادمة من استعادته
ومن هذا المنطلق، يدعو الفريق إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية هذه المواقع، وتشجيع توثيقها علمياً، وإدراجها ضمن برامج الحماية البيئية والتراث الطبيعي، بما يضمن صونها للأجيال القادمة.

دعوة وطنية لحماية إرث الأرض الفلسطينية

إن حماية الكهوف الكارستية مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المؤسسات الرسمية والأهلية والجامعات والهيئات المحلية والمراكز البحثية والمجتمع المحلي. ومن الضروري تطوير برامج وطنية لحصر هذه الكهوف وتوثيقها، ورفع مستوى الوعي بقيمتها العلمية والبيئية، وتشديد الرقابة على أعمال الحفر والتنقيب غير المشروع، وتطبيق الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تورطه في تخريب هذا الإرث الطبيعي الفريد.
فهذه التكوينات الجيولوجية ليست ملكاً لجيل واحد، بل هي جزء من التراث الطبيعي الذي أودعه الله في هذه الأرض المباركة، وأمانة ينبغي الحفاظ عليها لتبقى شاهداً على عظمة الخلق وتاريخ فلسطين الطبيعي الممتد عبر ملايين السنين.

كما ندعو أبناء شعبنا إلى أن يكونوا شركاء في حماية هذه الكنوز، وأن ينظروا إلى الكهوف بوصفها صفحات من ذاكرة الأرض الفلسطينية، لا أماكن للبحث عن أوهام الكنوز.
فإذا كان لكل وطن كنوزه، فإن من أعظم كنوز فلسطين تلك التي ما زالت تنبض في صمت تحت جبالها... تنتظر من يقرأ حكايتها، ويحفظها، ويورثها للأجيال القادمة.

No comments:

Post a Comment

كوزمتكس مريم دعيبس

كوزمتكس مريم دعيبس
كل ما تحتاجينه في مكان واحد

Featured Post

أزمة النفايات في غزة.. كارثة بيئية تهدد الصحة.. خطر صامت يهدد المياه والغذاء والإنسان

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands تعاني غزة من انهيار شبه كامل في نظام إدارة النفايات من بعد حرب أكتوبر . ومع بدء جهود التنظيف، ستظل آثار ه...

Post Top Ad

Your Ad Spot

???????