الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
مياه الصرف غير المعالجة القادمة من غزة وفرت مغذيات أدت لنمو الطحالب الدقيقة وساهمت في زيادة كثافتها
لم تعد أزمة المياه التي تضرب إسرائيل مجرد عطل مفاجئ في عدد من محطات تحلية مياه البحر، بعدما فتحت ظاهرة الازدهار الطحلبي التي عطلت 5 من أصل 6 محطات تحلية رئيسية الباب أمام سؤال بيئي أكثر تعقيدًا: هل ساهم انهيار منظومة الصرف الصحي في قطاع غزة في توفير المغذيات التي غذّت نمو الكتلة الطحلبية، قبل أن تتحرك شمالًا باتجاه السواحل الإسرائيلية؟
الإجابة العلمية لا تزال غير محسومة، خصوصًا فيما يتعلق بالمنشأ الأصلي للكتلة الطحلبية، لكن سلسلة من المؤشرات الميدانية والدراسات السابقة تقدم قرائن على أن مياه الصرف غير المعالجة يمكن أن تكون أحد العوامل التي غذّت الازدهار الطحلبي أو ضاعفت حجمه.
وتزداد أهمية هذه الفرضية في ظل حقيقة أن نحو 40 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة كانت تتدفق يوميًا من غزة إلى البحر ومناطق تجمع السكان في مايو 2026، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في وقت كانت فيه نحو 80% من محطات ضخ الصرف في القطاع خارج الخدمة.
هنا لا تعود القضية مجرد أزمة مياه في إسرائيل , وإنما نموذج محتمل لما يمكن وصفه بـ**«ارتداد الأثر البيئي»**؛ عندما يؤدي تدمير البنية التحتية البيئية في منطقة ما إلى إنتاج ملوثات أو تغيرات بيئية قد تمتد إلى مناطق أخرى، وربما تضرب في النهاية منشآت تقع على مسارها.

الكتلة الطحلبية.. من أين جاءت؟
السبب المباشر لتعطل محطات التحلية الإسرائيلية ارتبط بوجود كميات كبيرة من الطحالب المجهرية التي أدت إلى انسداد أو إعاقة أنابيب سحب مياه البحر.
لكن السؤال الأكثر تعقيدًا هو: من أين جاءت هذه الكتلة؟
هناك طرح يشير إلى أن الكتلة تحركت من الجنوب، ثم تضخمت عندما مرت بمحاذاة سواحل غزة، مستفيدة من كميات المغذيات التي تصل إلى البحر مع مياه الصرف الصحي غير المعالجة.
غير أن هذا لا يعني أن منشأ الطحالب نفسه هو غزة.
فالحديث عن مصدر الكتلة الطحلبية يختلف عن الحديث عن العوامل التي ساعدت على تضخمها.
كما أن محاولة تحديد المنشأ الجغرافي للطحالب اعتمادًا على ظهورها قبالة سواحل معينة تواجه تعقيدات مرتبطة بطبيعة حركة المياه في البحر المتوسط، حيث يمكن للتيارات البحرية والدوران الإقليمي نقل المياه والمواد العالقة لمسافات طويلة.
ولهذا فإن ظهور الكتلة قبالة الساحل المصري، على سبيل المثال، لا يكفي وحده لإثبات أنها نشأت في دلتا النيل.
المكان الذي تظهر فيه الطحالب ليس بالضرورة المكان الذي بدأت منه.
وهذه نقطة جوهرية في تفسير الأزمة.

ماذا تقول المؤشرات قبالة جنوب إسرائيل؟
الأكثر أهمية في التحقيق البيئي هو ما حدث في المياه القريبة من جنوب إسرائيل.
فباحثون من منظمة «زولول» الإسرائيلية، وهي منظمة بيئية غير حكومية تركز على حماية البحار والسواحل ومصادر المياه، أشاروا إلى أن مياه الصرف غير المعالجة القادمة من غزة وفرت مغذيات يمكن أن تغذي نمو الطحالب الدقيقة، وربما ساهمت في زيادة كثافتها.
وهناك ملاحظتان ميدانيتان تعززان هذه الفرضية.
الأولى أن المياه قبالة جنوب إسرائيل، بالقرب من غزة، سجلت ارتفاعًا استثنائيًا في بعض المغذيات، مثل الفوسفات والسيليكا، وهي عناصر يمكن أن تسهم في دعم نمو الطحالب والكائنات الدقيقة.
أما الثانية فهي تسجيل ملوحة أقل من المعتاد في المنطقة، وهو ما قد يشير إلى دخول مياه عذبة إليها.
ومع انهيار منظومة الصرف الصحي في غزة، تصبح مياه الصرف أحد المصادر المحتملة لهذه المياه والمغذيات.
لكن هذه المؤشرات لا تعني وحدها إثبات سلسلة سببية مكتملة، إذ تحتاج المسألة إلى تتبع علمي دقيق لحركة الكتلة الطحلبية ومكوناتها ومصادر المغذيات.

لماذا يمثل الصرف الصحي وقودًا للطحالب؟
تحتوي مياه الصرف الصحي والجريان السطحي على عناصر غذائية، خصوصًا مركبات النيتروجين والفوسفور.
وفي البيئة البحرية، يمكن لهذه العناصر أن تعمل بمثابة وقود للنمو عندما تتوافر الظروف الفيزيائية والبيولوجية الملائمة.
ويشرح الدكتور طارق قابيل، الأستاذ المتفرغ بقسم التقنية الحيوية بكلية العلوم في جامعة القاهرة، أن مياه الصرف والجريان السطحي يحملان النيتروجين والفوسفور، بينما يمكن لارتفاع حرارة المياه والظروف الفيزيائية المصاحبة أن تساعد الطحالب على استثمار هذه المغذيات وتسريع نموها.
وهذه العملية معروفة علميًا في البيئات المائية، إذ يمكن أن يؤدي تدفق كميات كبيرة من المغذيات إلى زيادة الإنتاجية البيولوجية، وفي ظروف معينة إلى حدوث ازدهارات طحلبية واسعة.
وبالتالي فإن السؤال ليس ما إذا كانت مياه الصرف تستطيع تغذية الطحالب؛ فهذا مثبت علميًا، وإنما إلى أي مدى ساهمت في الظاهرة الحالية، وما نسبة مساهمتها مقارنة بالعوامل الطبيعية الأخرى.
40 ألف متر مكعب يوميًا.. حجم الصرف يكشف حجم المشكلة
تكمن خطورة الوضع في غزة في حجم المياه التي أصبحت تصل إلى البيئة دون معالجة.
ووفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ تدفق مياه الصرف غير المعالجة من غزة نحو 40 ألف متر مكعب يوميًا في مايو 2026.
وكانت نحو 80% من محطات ضخ مياه الصرف متوقفة عن العمل.
هذه الأرقام تعني أن البحر لا يستقبل حادث تلوث محدودًا أو مؤقتًا، وإنما كميات ضخمة ومتكررة من مياه تحمل معها المواد العضوية والمغذيات والملوثات.
وبالتالي، فإن انهيار منظومة الصرف الصحي لا يمثل فقط مشكلة صحية لسكان القطاع، بل يتحول إلى مشكلة بيئية بحرية واسعة النطاق.

تحذيرات عمرها سنوات.. ومحطة أشكلون كانت تعرف المشكلة
الأزمة الحالية لا تأتي من فراغ.
فقد سبق أن حذرت دراسات وتقارير من هشاشة محطات التحلية الساحلية أمام أحداث التلوث البحري واسعة النطاق.
والأهم أن تقارير أممية تعود إلى عام 2008 وثقت بالفعل انتقال مياه الصرف من غزة باتجاه الساحل الإسرائيلي.
وفي تقرير نشره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في أبريل 2008، أُشير إلى أن مياه الصرف الملوثة من غزة كانت تتجه شمالًا نحو السواحل الإسرائيلية، بما فيها المنطقة القريبة من محطة تحلية أشكلون التي تقع على بعد نحو 3 أميال شمال غزة.
ونقل التقرير آنذاك عن مدير عام محطة تحلية أشكلون أن مياه البحر الداخلة إلى المحطة كانت ملوثة بمياه الصرف، مع ترجيح أن يكون مصدرها غزة.
وكانت المشكلة مرتبطة في ذلك الوقت بنقص الكهرباء والوقود وقطع الغيار اللازمة لتشغيل محطات الصرف ومعالجة المياه.
حتى محطة معالجة مياه الصرف في مدينة غزة كانت تحتاج إلى نحو 14 يومًا متواصلًا من الكهرباء لإكمال دورة المعالجة، وهو أمر لم يكن متاحًا بسبب أزمة الكهرباء والوقود.
والنتيجة كانت واضحة: جزء كبير من مياه الصرف كان يُضخ إلى البحر بدلًا من معالجته.
الدراسات القديمة ترسم خريطة التلوث
أظهرت دراسة شملت 36 منطقة لأخذ عينات من المياه أن مستويات التلوث كانت الأعلى بالقرب من مصبات مياه الصرف الصحي غير المعالجة، ثم تبدأ في الانخفاض تدريجيًا مع الابتعاد عن الشاطئ أو التحرك شمالًا.
كما سجلت الدراسة انخفاضًا ملحوظًا في مستويات بعض مؤشرات التلوث بعد مسافة تقارب 200 متر داخل البحر.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في الأزمة الحالية، لأنها توضح كيف يمكن لمصبات الصرف الصحي أن تغير التركيب الكيميائي والبيولوجي للمياه الساحلية، وأن تضيف إلى البيئة عناصر قادرة على دعم نمو الكائنات الدقيقة.
لكنها في الوقت نفسه لا تثبت أن التلوث الناتج عن غزة هو وحده المسؤول عن الازدهار الطحلبي الحالي.
المناخ يدخل المعادلة
العامل الآخر الذي لا يمكن تجاهله هو ارتفاع حرارة البحر المتوسط.
فدراسة أعدها باحثون من المركز اليوناني للبحوث البحرية وجامعة أثينا , ونشرت نتائجها في دورية «State of the Planet»، وجدت أن متوسط معدل ارتفاع حرارة سطح البحر المتوسط بلغ نحو 0.41 درجة مئوية لكل عقد خلال الفترة بين 1982 و2023.
وفي شرق المتوسط، حيث تقع غزة وإسرائيل، كان الاحترار أقوى ووصل إلى نحو 0.6 درجة مئوية لكل عقد.
وهذا التطور مهم للغاية؛ لأن الحرارة لا تعمل بمعزل عن المغذيات.
فالتجارب المخبرية المنشورة في دورية «Scientific Reports» أظهرت أن ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يزيد معدلات نمو بعض الطحالب الدقيقة، وكان التأثير أكثر وضوحًا عندما كانت النترات متوافرة بتركيزات مرتفعة.
كما أظهرت تحليلات لبيانات ميدانية عالمية وجود علاقة بين درجة الحرارة ومعدل نمو العوالق النباتية.
بمعنى آخر، قد تكون المعادلة الحالية أكثر تعقيدًا من مصدر تلوث واحد:
مغذيات إضافية + مياه أكثر دفئًا + ظروف بحرية ملائمة = فرصة أكبر لازدهار الطحالب.
إسرائيل أمام مفارقة بيئية
تعتمد إسرائيل بدرجة كبيرة على تحلية مياه البحر لتأمين احتياجاتها المائية، وهو ما جعلها واحدة من أكثر الدول اعتمادًا على هذه التكنولوجيا.
لكن الأزمة الحالية تظهر نقطة ضعف أساسية في هذه المنظومة: محطة التحلية لا تعمل بمعزل عن البحر.
كلما زاد الاعتماد على مياه البحر كمصدر للأمن المائي، أصبحت جودة البيئة البحرية جزءًا من أمن المياه نفسه.
وإذا تدهورت جودة المياه الخام التي تدخل المحطة، سواء بسبب التلوث أو الازدهار الطحلبي أو المواد العضوية، فإن المشكلة يمكن أن تنتقل مباشرة إلى منشآت التحلية.
وهكذا يصبح تدمير منظومات الصرف الصحي في منطقة ساحلية قضية تتجاوز سكانها، لأن البحر يمكن أن ينقل آثار هذا التلوث إلى مناطق أخرى.

«ارتداد الأثر البيئي».. عندما تعود المشكلة إلى مصدرها
من هنا تظهر المفارقة الأكثر أهمية في الأزمة.
فإذا أثبتت التحقيقات العلمية أن المغذيات القادمة من مياه الصرف غير المعالجة في غزة ساهمت بصورة ملموسة في تضخيم الكتلة الطحلبية التي عطلت محطات التحلية الإسرائيلية، فإننا أمام مثال واضح على ما يمكن تسميته ارتداد الأثر البيئي.
الفكرة بسيطة: نشاط بشري يسبب ضررًا بيئيًا في مكان ما، لكن نتائج هذا الضرر لا تبقى محصورة في المكان الذي وقع فيه، وإنما تنتقل عبر الهواء أو المياه أو التيارات البحرية، ثم تعود لتؤثر في مناطق أو منشآت أخرى.
وفي حالة البحر المتوسط، تصبح الحدود السياسية غير قادرة على وقف انتقال المياه والملوثات.
لكن من المهم التأكيد أن وصف الأزمة بأنها «ارتداد بيئي» يظل توصيفًا تحليليًا ما لم تثبت الدراسات الحالية بصورة قاطعة سلسلة الانتقال السببي من الصرف في غزة إلى الكتلة الطحلبية ثم إلى تعطل محطات التحلية.
أزمة غزة أكبر من مشكلة مياه
تكشف هذه القضية جانبًا آخر من الأزمة الانسانية في غزة.
فتدمير محطات معالجة مياه الصرف وشبكات الضخ لا يعني فقط حرمان السكان من خدمة أساسية، بل يخلق أيضًا تداعيات بيئية يمكن أن تمتد إلى البحر والسواحل والمياه الجوفية.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة في شرق المتوسط، يصبح النظام البحري أكثر تعرضًا للاضطرابات الناتجة عن التلوث والمغذيات.
وهذا يجعل إعادة تأهيل منظومة المياه والصرف الصحي في غزة ضرورة تتجاوز الاعتبارات الإنسانية المباشرة، لتصبح أيضًا جزءًا من حماية البيئة البحرية والأمن المائي الإقليمي.
البحر المتوسط لا يعترف بالحدود
أزمة محطات التحلية الإسرائيلية تطرح في النهاية سؤالًا أكبر من الطحالب نفسها:
ماذا يحدث عندما تتعرض البنية التحتية البيئية في منطقة ساحلية للانهيار، بينما تعتمد منطقة أخرى على البحر نفسه كمصدر رئيسي لمياه الشرب؟
الإجابة تكمن في طبيعة النظم البحرية.
فالمياه تتحرك، والتيارات تنقل المواد، والمغذيات لا تحمل جوازات سفر، والملوثات لا تتوقف عند الحدود السياسية.
لذلك فإن حماية ألأمن المائي الإسرائيلي، أو المصري، أو الفلسطيني، أو أمن أي دولة متوسطية، لا يمكن فصلها عن حماية البحر المتوسط نفسه.
والأزمة الحالية، سواء أثبتت التحقيقات لاحقًا أن صرف غزة كان عاملًا رئيسيًا فيها أو مجرد عامل إضافي ضمن مجموعة من الظروف الطبيعية والبشرية، تكشف حقيقة أكثر أهمية:
عندما تنهار منظومة الصرف الصحي، لا تختفي المشكلة في البحر.. بل قد تعود من البحر في صورة أزمة جديدة، وفي مكان لم يكن يتوقعها. نقلا عن موقع المستقبل الأخضر

No comments:
Post a Comment