الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
![]() |
لا تتوقف تداعيات أزمة الطحالب التي ضربت مياه البحر المتوسط عند محطات التحلية، بل بدأت تظهر آثارها بصورة أوضح في بحيرة طبريا، بعدما اضطرت منظومة المياه الإسرائيلية إلى زيادة الاعتماد على المصادر الطبيعية لتعويض النقص الناتج عن توقف معظم منشآت التحلية الكبرى.
وتكشف صور الأقمار الصناعية الملتقطة خلال آب وأيلول 2026 عن تراجع ملحوظ في خط شاطئ البحيرة، مع ظهور أجزاء من القاع كانت مغمورة بالمياه، في وقت تشير فيه البيانات الرسمية إلى انخفاض المنسوب عشرات السنتيمترات خلال أسابيع قليلة.
طبريا تحت ضغط السحب المتزايد
أظهرت مقارنة صور فضائية التُقطت في الثاني من آب والأول والحادي عشر من أيلول انحساراً واضحاً في مساحة المياه، فيما سجل منسوب البحيرة انخفاضاً بنحو 11 سنتيمتراً خلال الفترة الأخيرة.
ولا يرتبط هذا التراجع بعامل واحد. فالجفاف وارتفاع معدلات التبخر خلال أشهر الصيف يشكلان ضغطاً طبيعياً على البحيرة، لكن زيادة ضخ المياه منها أضافت عاملاً آخر إلى المعادلة، بعدما أصبحت المصدر الذي تلجأ إليه منظومة المياه لتعويض جزء من النقص الناجم عن تعطل محطات التحلية.
وتشير البيانات إلى أن آب شهد أكبر انخفاض في منسوب طبريا منذ بداية العام، بنحو 27.5 سنتيمتراً، في تراجع يجمع بين الظروف المناخية وزيادة عمليات السحب.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، جرى سحب نحو 3.3 ملايين متر مكعب من مياه البحيرة، بهدف المحافظة على استقرار الإمدادات المخصصة للاستخدامات المنزلية والزراعية.
عندما تتعطل التحلية يتغير ميزان المياه
المفارقة الأساسية في الأزمة أن الخلل لم يبدأ من طبريا، وإنما من البحر.
فصور التقطها القمر الصناعي الأوروبي «سنتينل-2» في الأول من أيلول أظهرت تغيرات في ألوان مساحات واسعة من المياه الساحلية في شرق المتوسط، مع ظهور تدرجات خضراء في مناطق ممتدة على طول أجزاء من الساحل.
وتزامنت هذه الظاهرة مع ارتفاع عكارة مياه البحر، في وقت ربطت جهات بحثية إسرائيلية بين هذه التغيرات وبين ازدهار واسع للطحالب الدقيقة.
والنتيجة كانت تعطلاً غير معتاد في قطاع التحلية، بعدما توقفت خمس منشآت من أصل ست منشآت كبرى لتحلية مياه البحر المتوسط.
وشملت المنشآت المتوقفة محطات عسقلان وأسدود وبلماخيم و«شورك أ» و«شورك ب»، بينما بقيت منشأة الخضيرة تعمل بصورة طبيعية.
وهنا انتقلت المشكلة من كونها أزمة تشغيلية في محطات ساحلية إلى أزمة تؤثر في توزيع مصادر المياه بأكملها.
سلسلة واحدة.. من الساحل إلى البحيرة
عندما تتراجع قدرة التحلية، يصبح تعويض الكميات المفقودة ضرورياً للحفاظ على استقرار الإمدادات. ومع محدودية البدائل السريعة، تتجه الحاجة إلى مصادر المياه الطبيعية، وفي مقدمتها بحيرة طبريا.
وهذا ما يفسر جانباً من التراجع السريع في منسوب البحيرة خلال الفترة الأخيرة.
وتظهر صور الأقمار الصناعية أن التغيرات اللونية في مياه البحر كانت موجودة بدرجات متفاوتة في فترات سابقة، لكنها بدت أكثر اتساعاً وكثافة مطلع أيلول، ولا سيما في قطاعات من الساحل الجنوبي والأوسط، في حين بدت المنطقة المقابلة للخضيرة أقل تأثراً.
ولا تعني هذه الصور وحدها أن الطحالب هي السبب الوحيد في التغيرات المرصودة، لكنها تتزامن زمنياً مع الأزمة التي أدت إلى توقف معظم محطات التحلية، وهو ما جعل منظومة المياه أمام اختبار غير معتاد.
اختبار لمنظومة تعتمد على البحر
أهمية الأزمة تتجاوز انخفاض منسوب البحيرة نفسه، لأنها تكشف مدى الترابط بين مكونات منظومة المياه.
فمحطات التحلية وفرت خلال السنوات الماضية مصدراً مهماً للمياه، الأمر الذي سمح بتقليل الضغط على بعض المصادر الطبيعية. لكن تعطل خمس منشآت في وقت متقارب أعاد توجيه جزء من الطلب إلى مصادر أخرى، ما انعكس سريعاً على طبريا.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول في شركة المياه الحكومية أن توقف محطات التحلية دفع الشركة إلى تشغيل منظومة مصادر المياه الطبيعية بكامل طاقتها لتعويض النقص.
وهذا يعني أن المشكلة لم تعد مرتبطة بمحطة أو منشأة منفردة، بل أصبحت مرتبطة بقدرة المنظومة على امتصاص صدمة مفاجئة عندما يتعرض أحد مصادرها الرئيسية للاضطراب.
أزمة مؤقتة أم إنذار أوسع؟
يبقى من المبكر اعتبار تراجع طبريا مؤشراً على أزمة مياه طويلة الأمد، خصوصاً أن جزءاً من الانخفاض يرتبط بعوامل موسمية معروفة مثل الجفاف والتبخر.
لكن سرعة اللجوء إلى البحيرة لتعويض توقف معظم منشآت التحلية تطرح سؤالاً أكبر حول قدرة منظومة المياه على مواجهة اضطرابات متزامنة في أكثر من مصدر.
فالمياه التي يفترض أن تأتي من البحر لم تعد متاحة بالكميات المعتادة، والمياه الطبيعية بدأت تتحمل العبء الإضافي، فيما تستمر العوامل المناخية في الضغط على المخزون.
وبذلك تكشف أزمة الطحالب مفارقة واضحة: كلما تعطلت منظومة التحلية الساحلية، انتقل جزء من الضغط إلى الداخل، وصولاً إلى بحيرة طبريا. وما يبدو للوهلة الأولى مشكلة بيئية محدودة قد يتحول، إذا طال أمده أو تكرر، إلى اختبار حقيقي لمرونة منظومة المياه وقدرتها على التعامل مع خلل يصيب أكثر من مصدر في الوقت نفسه.

No comments:
Post a Comment